سيد محمد طنطاوي

110

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

ثم أكد - سبحانه عظيم قدرته ونفاذ إرادته بقوله : * ( إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَه كُنْ فَيَكُونُ ) * . وقضى هنا بمعنى أراد ، أي إذا أراد - سبحانه - شيئا ، فإنما يقول لهذا الشيء كن فيكون من غير تأخر ومن غير وجود أسباب ، فهو كقوله - تعالى - وما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ أي إنما نأمره مرة واحدة لا تثنية فيها فيكون ذلك الشيء سريعا كلمح البصر . قال الآلوسي : وقوله * ( إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَه كُنْ فَيَكُونُ ) * هذا عند الأكثرين تمثيل لتأثير قدرته في مراده بأمر المطاع للمطيع في حصول المأمور من غير امتناع وتوقف وافتقار إلى مزاولة عمل واستعمال آلة ، فالمثل الشيء المكون بسرعة من غير عمل وآلة ، والمثل به أمر الآمر المطاع - المأمور المطيع على الفور ، وهذا اللفظ مستعار لذلك منه . وأنت تعلم أنه يجوز فيه أن يكون حقيقة ، بأن يراد تعلق الكلام النفسي بالشيء الحادث على أن كيفية الخلق على هذا الوجه . وعلى كلا التقديرين فالمراد من هذا الجواب بيان أن اللَّه - تعالى - لا يعجزه أن يخلق ولدا من غير أب ، لأنه أمر ممكن في نفسه فيصح أن يكون متعلق الإرادة والقدرة « 1 » . وبذلك تكون الآيات الكريمة قد حكت لنا بعض البشارات التي بشرت بها الملائكة مريم وبعض الصفات التي وصف اللَّه - تعالى - بها عيسى ، وبينت جانبا من مظاهر قدرة اللَّه - تعالى - ونفاذ إرادته ، وفي ذلك ما فيه من العظات والعبر لأولى الألباب . ثم واصل القرآن حديثه عن صفات عيسى - عليه السّلام - وعن معجزاته فقال - تعالى : [ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 48 إلى 51 ] ويُعَلِّمُه الْكِتابَ والْحِكْمَةَ والتَّوْراةَ والإِنْجِيلَ ( 48 ) ورَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيه فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّه وأُبْرِئُ الأَكْمَه والأَبْرَصَ وأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّه وأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 49 ) ومُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ ولأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّه وأَطِيعُونِ ( 50 ) إِنَّ اللَّه رَبِّي ورَبُّكُمْ فَاعْبُدُوه هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ( 51 )

--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 3 ص 164 .